أحمد بن محمد المقري التلمساني
41
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
معوّلا على الإقامة والرحال تشدّ ، كأني بك وقد أوثق الشّدّ ، وألصق بالوسادة الخدّ ، والرّجل تقبض والأخرى تمدّ ، واللسان يقول يا لَيْتَنا نُرَدُّ [ سورة الأنعام ، الآية : 72 ] : [ السريع ] إنّا إلى اللّه وإنّا له * ما أشغل الإنسان عن شانه يرتاح للأثواب يزهى بها * والخيط مغزول لأكفانه ويخزن الفلس لورّاثه * مستنفدا مبلغ أكوانه قوّض عن الفاني رحال امرئ * مدّ إليه عين عرفانه ما ثمّ إلّا موقف زاهد * قد وكّل العدل بميزانه مفرّط يشقى بتفريطه * ومحسن يجزى بإحسانه [ من إنشاء لسان الدين يخاطب طالب موعظة ] يا هذا ، خفي عليك مرض اعتقادك فالتبس الشحم بالورم ، جهلت قيم المعادن فبعت الشّبه بالذهب ، فسد حسّ ذوقك فتفكهت بحنظله ، أين حرصك من أجلك ؟ أين قولك من عملك ؟ يدركك الحياء من الطفل فتتحامى حمى الفاحشة في البيت بسببه ، ثم تواقعها بعين خالق العين ، ومقدر الكيف والأين ، تاللّه ما فعل فعلك بمعبوده ، من قطع بوجوده ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ [ سورة المجادلة ، الآية : 7 ] إلى عَلِيمٌ [ سورة المجادلة ، الآية : 7 ] تعود عليك مساعي الجوارح التي سخّرها لك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة ، فتبخل منها في سبيله بفلس ، وأحد الأمرين لازم : إمّا التكذيب ، وإمّا الحماقة ، وجمعك بين الحالتين عجيب ، يرزقك السنين العديدة من غير حقّ وجب لك ، وتسيء الظنّ به في يوم ؛ توجب الحقّ ، وتعتذر بالغفلة ، فما بال التمادي ؟ تعترف بالذنب فما الحجّة في الإصرار ؟ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [ سورة الأعراف ، الآية : 35 ] يا مدّعي النسيان ، ما ذا فعلت بعد التذكير ؟ يا معتذرا بالغفلة ، أين ثمرة التنبيه ؟ يا من قطع بالرحيل ، أين الزاد ؟ يا ذبابة الحرص ، كم ذا تلجج في ورطة الشهد ؟ يا نائما ملء عينيه ، حذار الأجل قد أنذر ، يا ثمل الاغترار قرب خمار الندم ، تدّعي الحذق بالصنائع وتجهل هذا القدر ، تبذل النصح لغيرك وتغشّ نفسك هذا الغشّ ، اندمل جرح توبتك على عظم ، قام بناء عزمتك على رمل ، نبتت خضراء دعوتك على دمنة « 1 » ، عقدت كفّك من الحقّ على قبضة ماء أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ سورة فاطر ، الآية : 8 ] ، إذا غام جوّ هذا المجلس ، وابتدأ رشّ غمام الدموع ، قالت النفس الأمّارة : حوالينا لا علينا ، فدالت رياح
--> ( 1 ) يشير إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم وخضراء الدمن » . وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء .